الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

43

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 15 ، 16 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 15 إلى 16 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ( 15 ) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 16 ) لمّا ذكّر اللّه المسلمين بما أيدهم يوم بدر بالملائكة والنصر من عنده ، وأكرمهم بأن نصرهم على المشركين الذين كانوا أشد منهم وأكثر عددا وعددا ، وأعقبه بأن أعلمهم أن ذلك شأنه مع الكافرين به اعترض في خلال ذلك بتحذيرهم من الوهن والقرار ، فالجملة معترضة بين جملة : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ [ الأنفال : 12 ] وبين جملة فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ [ الأنفال : 17 ] الآية وفي هذا تدريب للمسلمين على الشجاعة والإقدام والثبات عند اللقاء ، وهي خطة محمودة عند العرب لم يزدها الإسلام إلّا تقوية ، قال الحصين بن الحمام : تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي * حياة مثل أن أتقدّما وقد قيل : إن هذه الآية نزلت في قتال بدر ، ولعل مراد هذا القائل أن حكمها نزل يوم بدر ثم أثبتت في سورة الأنفال النازلة بعد الملحمة ، أو أراد أنها نزلت قبل الآيات التي صدّرت بها سورة الأنفال ثم رتبت في التلاوة في مكانها هذا ، والصحيح أنها نزلت بعد وقعة بدر كما سيأتي . واللقاء غلب استعماله في كلامهم على مناجزة العدو في الحرب . فالجملة استئناف ابتدائي ، والمناسبة واضحة ، وسيأتي عند قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا في هذه السورة [ 45 ] ، وأصل اللقاء أنه الحضور لدى الغير . والزحف أصله مصدر زحف من باب منع ، إذا انبعث من مكانه متنقلا على مقعدته يجر رجيله كما يزحف الصبي . ثم أطلق على مشي المقاتل إلي عدوه في ساحة القتال زحف ؛ لأنه يدنو إلى العدو باحتراس وترصد فرصة ، فكأنه يزحف إليه . ويطلق الزحف على الجيش الدهم ، أي الكثير عدد الرجال ، لأنه لكثرة الناس فيه يثقل تنقله فوصف بالمصدر ، ثم غلب إطلاقه حتى صار معنى من معاني الزحف ويجمع على زحوف .